منوعات

وفاة الحاج علي أبو غرقود ” أبو عيسي “

في آخر يوم من هذا العام نودع الشيخ الحبيب الصالح ( علي أبو غرقود أبو عيسى)
هذا الرجل الصالح الذي اجتمعت فيه خصال الخير، وكل من رآه ذكر اللهَ تعالى، وأحسب أن الله كتب له القبول في قلوب الخلق، وأجمع الناس على حبه.
أبو عيسى صاحب الهمة العالية، والعزيمة الصلبة، الذي لا يرضى بالرخص، ولا يقبل على نفسه أن يكون في الصف الأخير، بل هو أوّلٌ في عبادته وجهاده وصلاحه.
ولكم بعضاً من مناقبه وصفاته الكريمة:
أما عن صيامه فقد كان يواصل الصيام، ولا يكتفي بالأيام المسنونة، وقد زارني مرة في شهر شوال في يوم لا يُسنّ فيه الصيام، فلما قدّمتُ له الضيافة قال لي أنه صائم، فقلتُ له: نحن في شهر شوال واليوم لا اثنين ولا خميس، فقال لي : أنا أصوم شعبان ورمضان وشوال متواصلة إلا أيام العيد، لأكتشف بعدها أنه يواصل الصيام في كل الأيام.
أبو عيسى من أهل الليل، ولا أبالغ إن قلتُ لكم أنه كانت تمر عليه الليالي ذوات العدد لا يذوق طعم النوم، فهو يقضي لياليه ما بين الرباط والقيام، وربما رابط ليالي الأسبوع كلها.
ولا يفوته قيام الليل بالمرة، وقال لي مرة أنه في كل ليلة يكون الساعة الثانية صباحا في المسجد كل ليلة صيفا وشتاء.
وكان يرسل الرسائل للشباب دوما يذكرهم بقيام الليل، والنوافل والأوراد.
وإذا دخل رمضان اعتكفه كاملا في المسجد، ولا ينام أبدا في ليالي رمضان ولا في نهار رمضان.
أبو عيسى الرجل المجاهد الذي قارب عمره على السبعين إلا أنه يفوق الشباب في همته وجهاده.
كان يتقدم على الشباب في ميادين التدريب وحصص اللياقة، ويتقن المهارات العسكرية، ولم يتأخر يوماً عن مهمة أُوكلت إليه.
وله مع الرباط قصة حب وارتباط قلبي، وفي النقاط المتقدمة، وكان بإمكانه أن يتأخر لتقدمه في السن، إلا أنه يصرّ دوما أن يكون في خط المواجهة الأول.
وقد تعرض بيته للقصف في الحرب الأخيرة وما رأينا منه إلا كل كلمات الرضا والقبول، والاستعداد لتقديم المزيد والمزيد في سبيل الله تعالى.
أما عن كرمه فحدث ولا حرج، فقد كان يتحيّن كل فرصة لإكرام إخوانه، بسبب وبغير سبب، بمناسبة وبغير مناسبة، وقد كنت أتعمد ألاّ أخطب الجمعة في مسجده لأنني كلما خطبتُ عنده أخذني إلى بيته أخذاً ومن غير نقاش لأتناول طعام الغذاء.
وأما عن جهده في الدعوة إلى الله فتشهد له المساجد التي كان يتنقل بينها، ويتعب في تحضير دروسه، ويحضر لها جيداً، ويحفظ الأدلة، وهو الذي لم يحصل على أي شهادة علمية، ولكنه الصدق والشعور بالهم الذي يدفع صاحبه لدعوة الناس للخير، ليكون حجة على كل من تعلم علما ولم يؤد حقه.
كان بسيطاً متواضعاً زاهداً لطيفاً يألف ويؤلف، يلاطف الصغير، ويمازح الكبير، ولا تفارق الابتسامة محياه، وكلامه حلو، ومجلسه لا يُمل، وبيته مفتوح للجميع.
هذا الرجل كان قلبه معلقاً بالمساجد، ولا يخرج من مسجده إلا لرباط أو دعوة أو حضور جنازة، يؤذن في مسجده متطوعا من سنوات طويلة، ويدمن النظر في القرآن، ويصاحب القرآن آناء الليل وأطراف النهار.
وقلبه معلق بالله، وما رآني يوماً إلا أسرّ لي بأنه مشتاق للقاء الله، وأنه يحب لقاء الله، وأحسب أن ربنا الكريم قد اصطفاه ليرتاح راحة سرمدية بعد هذه الرحلة من الجهاد والرباط والسهر والتعب والصيام والقيام والأعمال الصالحة التي نعلمها والتي لا نعلمها.
ترك من بعده ذرية طيبة، شباباً كراماً مثل الورد، ليواصلوا مسيرة والدهم الكريم.
أسأل الله تعالى أن يسكنه الفردوس الأعلى، وأن يحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
بقلم الشيخ الداعية د . مصعب درويش

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق